حسن البنا

38

نظرات في كتاب الله

وجعل البنا من وصاياه التي تلقى عناية من تلامذته وأتباعه : " أتل القرآن أو طالع أو استمع أو اذكر الله ، ولا تصرف جزءا من وقتك في غير فائدة " « 1 » . ولما رأى البنا الغزو الفكري يغزو الأمة في أعزّ ما تملك من مصادر عزتها ، وهو القرآن الكريم ، عندما انتشرت المدارس الأجنبية ، وقلّ الحفاظ لكتاب الله ، لم يقف البنا وقفة المتفرّج ، الذي يقف ولا همّ له إلا أن يتغنّى بماض ، أو يبكى على أطلال ، بل وضع البنا يده على المرض ، كما يضع الطبيب مبضعه على المريض ، ليعلم ما في الجسد المعتل ، ثم بعد ذلك يصف الدواء ، وهذا ما فعله البنا رحمه الله عندما كتب مقاله المطول في مجلة ( الفتح ) بعنوان : وسائل المحافظة على القرآن الكريم . وبيّن فيها تلك الوسائل ومن يقوم بتنفيذها . البنا والحقيقة القرآنية « 2 » : كما استطاع الإمام حسن البنا أن يحوّل القرآن إلى حقيقة قرآنية ، لا إلى مجرّد تلاوة ، أو لمجرّد الترف العلمي ، بل حوّله إلى واقع ملموس ، فالمتتبع لمسيرة الإسلام منذ نزول القرآن إلى يومنا هذا يجد فارقا بين الجيل الأول ، وبين الأجيال التي تحيا اليوم ، حتى سمّى الشهيد سيد قطب هذا الجيل الأول : الجيل القرآني الفريد ، وحلّل علّة عدم تكرار هذا الجيل ، وغياب نماذجه الفذة ، مما جعله يبحث عن السّر في ذلك متسائلا : هل غياب الرسول صلى اللّه عليه وسلم هو السبب ؟ لو كان ذلك لما أماته الله ، ولكتب له الخلود والبقاء إلى يوم القيامة ، وبخاصة أن الله أرسله بآخر رسالاته ، ولكنّ الله أماته ، وفي ذلك دلالة على أن الدين يصلح أن يسير بغير شخصه ، ولكن يسير بتعاليمه دون احتياج إلى جسده ، ثم اهتدى رحمه الله إلى السر في ذلك ، وأنه الفارق بين تلاوتنا للقرآن وتلاوتهم له ، فهم يتلون القرآن لأنه كتاب الله ، ولأنه يجعلهم يحيون في كنف الله ، وبتلاوتهم له يستمعون كلامه . كما أنهم يقرءون القرآن ليس من باب الترف العلمي ، أو من باب أنهم حفظوا القرآن للتباهى بأنهم من حفظته ، بل كان الواحد منهم يقرأ الآية ليعمل بها ، حتى رأينا منهم

--> ( 1 ) الوصية الثانية من الوصايا العشر للشيخ حسن البنا . ( 2 ) اقتبست هذا العنوان من مقال للأستاذ عبد الحكيم خيال في مجلة الدعوة سنة 1976 م .